الشيخ محمد علي الأراكي

35

أصول الفقه

المتقدّمة ، والفارق أنّ الدليل هناك كان لفظيّا ، فالإجماع المذكور كان موجبا لتقييد المادّة أو التصرّف في الهيئة ، وحيث لم يكن أحدهما متعيّنا تحقّق الإجمال ، وأمّا هنا فالدليل لبيّ وهو حكم العقل بلزوم المراعاة والاحتياط في جميع أطراف العلم الإجمالي ، والإجماع المذكور على فرضه لا يكون إلّا مؤمنا من قبل الشرع بالنسبة إلى أحد الأطراف وهو الشبهة الوجوبية ، ووجود المؤمّن في أحد الأطراف لا يوجب سقوط هذا الدليل اللبّى عن الدلالة بالنسبة إلى الطرف الآخر الخالي عن المؤمّن الشرعي ، فإنّ الحجّة وهو العلم فيه موجودة والمؤمّن مفقود . وتقريب الاستدلال بالعلم الإجمالي أنّ لنا علما إجماليّا قبل مراجعة الأخبار بوجود تكاليف من الواجبات والمحرّمات من الشارع علينا ، وإنّما قيّدنا بقولنا : قبل مراجعة الأخبار ، لئلّا يقول الخصم في الجواب : نمنع العلم الإجمالي قبل مراجعة الأخبار ، لأنّ مدرك علمنا هو الأخبار ، فدائرة العلم الإجمالي مقيّدة ومحدودة بخصوص ما بأيدينا من الأخبار ، فما يكون خارجا عن الأخبار خارج عن أطراف العلم . نظير ما لو تعلّق بالحرمة بخصوص السود من قطيع غنم ، حيث إنّ البيض خارج عن أطراف العلم ، وذلك لأنّ العلم الاجمالي حاصل قبل مراجعة الأخبار بالوجدان ، بل أهل الأديان والملل الخارجة أيضا قاطعون بأنّ أهل الإسلام مكلّفون بتكاليف جاء بها نبيّهم من قبل اللّه تعالى ، فالعلم الإجمالي ليس مقيّدا بخصوص ما في الكتب وما بأيدينا ، فبمقتضى هذا العلم يجب الاحتياط في جميع المشتبهات . ثمّ لا يقدح في هذا الدليل ثبوت الإجماع في الشبهة الوجوبيّة على البراءة وإن كان يقدح في الأدلّة اللفظيّة على تقدير وجوده فيها ، حيث يوجب الإلجاء إلى أحد الأمرين من التقييد في المادّة أو التصرّف في الهيئة ، وأمّا هنا فوجود الإجماع المذكور يصير مؤمّنا في أحد الأطراف وهو الشبهة الوجوبيّة ، ومجرّد هذا لا يوجب أن يكون الطرف الآخر الخالي عن المؤمّن وهو الشبهة التحريميّة خارجا عن حكم العقل بوجوب الاحتياط .